الثعلبي
173
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وَاضْرِبْ يا محمد لَهُمْ : لهؤلاء المتكبرين المترفين الذين سألوا طرد الفقراء المؤمنين مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ ، يعني : المطر . قالت الحكماء : شبّه الله تعالى الدنيا بالماء ؛ لأن الماء لا يستقر في موضع وحال ، كذلك الدنيا لا تبقى لأحد ، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة وكذلك الدنيا ، ولأن الماء يفنى كذلك الدنيا تفنى ، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتلّ ، فكذلك الدنيا لا يسلم من آفاتها وفتنتها أحد ، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا مبقيا وإذا جاوز الحد المقدّر كان ضارّا مهلكا ، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع ، وفضولها يضرّ . فَاخْتَلَطَ بِهِ : بالماء نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ عن قريب هَشِيماً ، قال ابن عباس : يابسا . قال الضحّاك : كسيرا . قال الأخفش : متفتّتا ، وأصله الكسر . تَذْرُوهُ الرِّياحُ ، قال ابن عباس : تديره . قال ابن كيسان : تجيء به وتذهب . قال الأخفش : ترفعه . وقال أبو عبيدة : تفرّقه . القتيبي : تنسفه . وقرأ طلحة بن مصرف : الآية فقال : ذرته الريح تذروه ذروا ، وتذريه ذريا وأذرته إذراء إذا أطارت به ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ، قادرا . الْمالُ وَالْبَنُونَ التي يفخر بها عيينة وأصحابه من الأشراف والأغنياء زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وليست من زاد القبر ولا من عدد الآخرة ، وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ التي يعملها سلمان وأصحابه من الموالي والفقراء خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا أي خير ما يأمله الإنسان . واختلفوا في الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ما هي ؛ قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحّاك : هي قول العبد : ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر ) . يدل عليه ما روى مسلم بن إبراهيم عن أبي هلال عن قتادة أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ غصنا فحركه حتى سقط ورقه ، وقال : « إن المسلم إذا قال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر ، تحاتّت عنه الذنوب « 1 » . خذهن إليك أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن ؛ فهنّ من كنوز الجنّة وصفايا الكلام ، وهنّ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ » [ 74 ] « 2 » . وقال عثمان ( رضي اللّه عنه ) وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح : هي ( سبحان الله
--> ( 1 ) في المصدر : تحاتت خطاياه كما تحات هذا . ( 2 ) تفسير القرطبي : 10 / 415 .